Rate this item
  • 3.29 / 5 5
(7 votes)

 وقفز عمر

قرر أن يكتفي من السباحة، ألبسته المنشفة وخلعت من يديه “العوامات” تلك التي تحميه من الغرق، لبس بقدميه الصغيرتين حذاءه المطاطي الأحمر وكأنه جاهز للذهاب إلى المنزل..

بعد مدة قصيرة من الراحة استعاد نشاطه وبدء بالمشي نحو المسبح ليلقي نظرة على أخته (ليان) يبتسم لها ثم يرجع نحوي، كنت أنظر إليه وأتتبع كل حركاته، لم يكن بعيداً عني على الإطلاق، وفجأة وقف تلك الوقفة الصامتة وهو يتأمل ذلك المسبح الكبير، كنت أفكر وأقول لنفسي هل من الممكن أن يقفز! وماهي إلا ثواني حتى أجابني بطريقته.. قفز عمر..بمنشفته وحذاءه ودون عوامه تصعد به للأعلى.. قفز قلبي معه وتحركت مسرعة لأحمله وأنقذه وأضمه إلى صدري كنت أرتجف خوفاً من الذي حصل.. وبفضلٍ من الله سبحانه لم يصب بأي مكروه لكنه كان خائفاً جداً.. ماذا فعلت وماذا كانت ردة فعلي فسأخبركم بها لاحقاً..

دعوني أولاً أعرفكم عليه إنه ابني (عمر) الذي ولد في عام 2013 سيتم الأربع سنوات في شهر أكتوبر، منذ ولادته كان هناك لمسة خاصة به، فهو لم يكن الطفل الذي ينام بهدوء أو يشبع بسرعة، كان بكاءه وصرخاته تملئ البيت، لا أذكر أنه نام على يدي حتى أصبح عمره أكثر من ثلاثة أشهر، كان يرتاح بالنوم في سريره لوحده،، كان يبكي بكاءً عالياً عندما نضع الطعام، كنت أضحك وأقول لزوجي وكأنه يشتم الرائحة فيشتهي، وبالفعل اكتشفت فيما بعد أنه يريد أن يأكل، كان يتابع يدي وأنا أطعم ليان لقمة بعد لقمة وهو ينتظر دوره دون جدوى.. بكاءه الكثير جعلني استعجل في موضوع بدء الطعام، فقد كان عمره ثلاثة شهور عندما أكل أول وجبة، لن أنسى رفرفة السعادة التي أبداها عندما أكل موزة بعمر الأربعة شهور، نعم موزة ومع أنني قسمتها إلى نصفين إلا أنه استطاع أن يحصل على النصف الثاني بأسلوبه الخاص..

بعد أربعين يوم من ولادتي بعمر عدت إلى عملي كمدرسة مونتيسوري، وجاء معي طفلي الصغير ليستقر في غرفة التلفاز القريبة لفصلي، أحضرت من يراقبه طوال الوقت ليطمئن قلبي، أعطتني مديرة عملي كل الصلاحيات في التحرك لتلبية طلباته عندما يحتاجني، وهذا حلم كل أم موظفة عندما تعود لعملها مع طفلها، بالطبع الفضل الأكبر لصديقتي في الفصل “العنود” كانت دوماً تغطي غيابي بمهارة عالية،، لا أعرف كيف مرت تلك السنة، لكنها لم تكن سهلة بالتأكيد، فالتوفيق ما بين عملي، عائلتي، بيتي والذهاب للنادي يومياً، احتاج مني طاقة هائلة لأنجز كل منهم على حدة بالجودة المطلوبة..

عندما بدأ عمر بالزحف وبدأ ينطلق نحو العالم ليكتشفه بنفسه، بدأت الحكاية، لم يخفى عليه زاوية ولا قطعة صغيرة إلا وأثارت اهتمامه، جهزت منزلي ليكون مناسب لاكتشافاته البريئة دون أن يؤذي نفسه، لكن بالطبع استطاع ان يستفيد من هفواتي دائماً.. حبه للاستكشاف جعله يصر على المشي بسرعة أراد أن يرتفع ليقترب أكثر من تلك الأمور الساحرة التي تنادي فضوله، استطاع المشي وهو بعمر العشرة شهور، وفتح لي بوابة جديدة من المخاطر والمغامرات التي احتاجت تركيز ومتابعة أكثر.. وافتتح المشوار عندما كان عمره ثلاثة عشر شهراً بسقوط قوي جرح جبينه واحتاج أربعة قطب ليغلق ويشفى.. ومن هنا بدأت القصة..

في إحدى المرات وبينما كنت نائمة غافلني وذهب للمطبخ ليفتح دولاب الزيت الذي أثار اهتمامه مسبقاً، ومع أنني تجهزت لهذا الأمر ووضعت ملصق يمنع من فتح الدولاب بسهولة إلا أن رغبته الشديدة في تجربة ذلك الشيء الأصفر اللماع كانت تدفعه ليحاول ويحاول الى أن نجح وأزال الملصق وفتح الدولاب وفتح علبة الزيت واستحم بها.. نعم استحم بها ثم أدرك أنه لا متعة كبيرة فيما فعل، فقام بالتجول في أنحاء المنزل باحثاً عن متعة أخرى وبنفس الوقت ينشر الزيت بأكبر بقعة ممكنة، استيقظت ورأيت الأرضية اللامعة! ويا لدهشتي! لم أستطع أن أتمالك نفسي، فبكيت لأن أرضية منزلي كانت من الخشب “الباركيه” ومن الصعب جداً تنظفها، احتاجت مني أربع ساعات لأقوم بتنظيف ما فعله طفلي المبدع، ماذا كانت ردة فعلي عندما رأيته؟ بالطبع لم أضربه ولم أصرخ عليه ولم أعاقبه لقد كان عمره ستة عشر شهراً فقط! فهو لا يدرك ماذا فعل، وبالنسبة له كان مجرد استكشاف، لذا قبل تنظيفي للمنزل قمت بتنظيفه هو وتغير ملابسه وتحميمه، وتعطيره والجلوس بجانبه حتى نام، وقمت أنا بعملية التنظيف الكبرى.

كبر عمر وعلمني الكثير، علمني معنى الصبر ومعنى التوكل الحقيقي على الله، علمني أنه مهما تابعته سيجد الفرصة السريعة لعمل مصيبة كبيرة، لن أنسى ذلك اليوم الذي حماه الله لي من أن يدهس بالسيارة، عندما كنت خارجة من منزل أهلي، كنت أفتح الباب بيدي اليسرى فيدي اليمنى كانت مكسورة، بلحظة واحدة خرج مسرعاً وبلطف من الله سبحانه رآه الشاب المسرع ليتجنب ضربه، أمسكته وضممته، كنت أبكي بقوة وأحمد الله على سلامته، وتعلمت يومها أنني مهما كنت دقيقة ومنتبهة، التوكل على الله وقراءة الأذكار هي الأساس ثم من بعدها الاهتمام والمتابعة المستمرة..

تميز (عمر) بفضوله الدائم لمعرفة كل شيء حوله، ومحاولة الاعتماد على نفسه في أغلب الأمور، بالطبع هذا أمر جيد لكن أيضاً في بعض الأحيان وضَعهُ في مواقف خطرة.. وفي أحيان أخرى كانت نتيجة استكشافه البريئة هي تنظيف مطول يحتاج مني لساعات كثيرة.. ماذا كانت ردة فعلي في كل مرة؟ هذا هو السؤال الأهم.. لم أكتب هذا المقال فقط لأحكي لكم عن ابني (عمر).. بل تعمدت أن أشرح لكم كيفية ردة فعلي للمواقف الصعبة الكثيرة التي مررت بها معه.. لست من النساء اللاتي يتعاملن ببرود مع المواقف، بل أنا نارية وسريعة الغضب، لكن خبرتي الطويلة في التعامل مع الأطفال وقراءتي وبحثي الدائم عن كيفية تطوير نفسي وتطوير كيفية التعامل مع أطفالي.. جعلوا مني انسانة أفضل، أستطيع التحكم بغضبي وبطريقة ردة فعلي للأمور، اكتشفت أن طريقة زراعة أساسيات الحياة في طفلي تأتي من ردة فعلي المختلفة على المواقف، سأشرحها لك بمثال عن أم اسمها (مها) وأم اسمها (سارة)..

طفل عمره سنتان ونصف وقع على الأرض وجرح ركبته بعض الشيء ردة فعل (مها): أنها صرخت وقالت بصوت عالي: “يالله، امشي شوي شوي، يالله منك شفت كيف جرحت حالك، شوف الدم، هاد كله لأنك ما بتعرف تمشي بهدوء” أكملت تمتمتها وأعطته نظرات استياء تكفي ليشعر بالسوء دون أن تنتبه أنها لم تهتم إلى ألمه الجسدي بل أضافت عليه ألم نفسي جديد.. أما ردة فعل (سارة) كانت العكس تماماً عندما وقع طفلها، قالت له: (أوه، لقد وقعت، قل: بسم الله، وتعال عندي، أنت قوي تستطيع الوقوف، تعال عندي حبيبي، ممم أرى أنه جرح خفيف وأنت بطل أليس كذلك، هل تشعر أنك تود البكاء حبيبي، لا مشكلة إن كان هذا يشعرك بالراحة يمكنك أن تبكي قليلاً)..

اختلاف ردة فعل الأمهات في كل موقف يزرع في نفوس أطفالهم مشاعر مختلفة، فانتبهي وكوني واعية لنوعية المشاعر والأفكار التي تودين غرسها وتثبيتها عند طفلك..

قومي بهذه التجربة واحضري إناء زجاي فارغ، جهزي علبة بها حبات من الفلفل الأسود وعلبة بها أرز أبيض، ضعي هذه الأغراض في مكان بعيد عن متناول طفلك فلتكن لك أنت فقط، راقبي نفسك وحددي نوعية ردة فعلك مع طفلك في المواقف التي ستأتي، وانتظري حتى يسيء طفلك السلوك، ماذا كانت ردة فعلك كيف تصرفت معه؟ هل ما قمت به كان هدم لشخصيته أم قمت بوضع حجر جديد لبناء شخصية سوية، إن لم تستطيعي تمالك نفسك وقمت بالضرب أو الصراخ ضعي ملعقة من الفلفل الأسود في الإناء الزجاجي، وإن استطعت أن تعدلي سلوك طفلك بطريقة ذكية وتربوية ضعي في الإناء ملعقة أرز أبيض، لابد أن تكوني صادقة مع نفسك ففي النهاية هو طفلك وكل ما تقومي به الآن سيعود عليك أنت أولاً بتصرفات طفلك وسلوكياته، لذا كوني واعية وانتبهي دائماً.. قومي بتكرار هذه العملية لمدة لا تقل عن أسبوع ولا تكثر عن شهر، بعد مرور الفترة التي قمت بتحديدها، انظري لذلك الإناء الزجاجي ما هو اللون الذي يغلب عليه؟ الأسود أم الأبيض وتأكدي تماماً أن هذه الألوان هي حقيقة موجودة داخل طفلك، وسترين أثرها بشخصيته وثقته بنفسه، ستؤثر على علاقته الاجتماعية وتحصيله الدراسي، نظرته للحياة وذكاءه العاطفي، صبره وانجازاته، كل هذا وأكثر، ردة فعلك أمر مهم جداً فاختاري بذكاء وأياك اختيار أمر ستندمين عليه، اصبري ولا تتسرعي في تصرفاتك، (الغضب، الصراخ، اللوم، الشتم، المقارنة) كل هذه الأمور تدمر طفلك، كيف لك أن تختاريها وأنت تغردين دوماً أنك تحلمين (بطفل مميز)!.. لذا أكرر دائماً كوني واعية ماذا تدخلين على نفسية وعقل طفلك عند كل موقف، وتذكري أن المواقف السيئة متكررة فهل ردة فعلك الغاضبة متكررة؟ إذا هنيئاً لك بطفل غاضب، سريع الملل، قليل الثقة بالنفس، وقليل الثقة بك أنت..  طفلك أمانة من عند الله سبحانه، والله يرى ماذا يُفعل بأمانته، فانتبهي لها..

لقد مررت بالكثير من المواقف التي كان من الممكن أن أضرب بها ابني (عمر) لكنني لم أفعل، لأنني كنت أعرف تماماً أن كل ما فعله سيزول ويتنظف ويتعدل، لكن لو أنني اتخذت قرار الحل السريع كالضرب والصراخ كانت امتلأت تلك الزجاجة بالكثير من الفلفل الأسود وأنا لا أريد هذا، أريد طفلي أن يعرف ويتعلم ويدرك ويكتشف دون أي ضرر نفسي، بالطبع بتوجيهاتي ووجودي حوله لأعلمه الصواب وكيفية تصحيح أخطاءه.. لدي صديقة عرفت (عمر) ورأت بعينها الكثير من المواقف السيئة التي يضعني بها، كانت في كل مرة تقول لي: “اضربيه يا وفا، لازم يتعلم، ما يفهم إلا إذا ضربتيه”.. كنت ابتسم وأقدّر عدم معرفتها بأصول التربية فهي ليست قارئة ولا متزوجة ولا تعرف كيفية التعامل مع الطفل، لكن كم أم تحمل نفس أفكار صديقتي في التربية ولديها أطفال وتستخدم الصراخ والضرب لتعديل سلوكهم؟! سؤال يراودني!

أعود بكم لقفزة عمر الجريئة في المسبح ففي تلك اللحظة عصف بي مزيج المشاعر، فلا أخفيكم لقد كنت خائفة وغاضبة وحزينة وفرحة، خفت عندما قفز لأنه من الممكن أن يغرق، وغضبت لأنه قفز وعاد للمسبح وهو يعلم أنه غير مستعد للسباحة، حزنت لأنه كان خائفاً عندما سحبته، وفرحت عندما رأيت أنه بخير ولم يصب بمكروه، ماذا كانت ردة فعلي، أول شيء فعلته أنني ضممته بقوة مع أني كنت ارتجف خوفاً عليه، كنت منتبهة جداً أن لا أجعل الموقف أصعب وأسوأ وأن لا أزرع فيه الخوف من المسبح، قلت له: “حبيبي أنت منيح لا تخاف، عادي ممكن تحصل، بس انتبه بالمرة الجاية لازم تكون لابس (العوامات)” بكى وضمني بقوة، أكملت وقلت: “لا مشكلة حبيبي أنت بخير وأنا مالي زعلانة أنا بس خفت عليك شوي، بس خلص خلصت وكل الأمور تمام”، نظر إلي بتلك النظرة التي قرأ بها عيوني، اطمأن وشعر بالهدوء، وانتهى الموقف مع عمر هكذا وعاد للسباحة في اليوم الثاني بكل سعادة مع انتباه أكثر لحركاته عندما يزيل (العوامات)، أما بالنسبة لي فقد كان وقع الموقف أكبر على نفسي وكان السبب الرئيسي لكتابة هذا المقال، فتلك الليلة لم أستطع النوم بسهولة وأنا أفكر ماذا لو لم أنتبه أنه قفز ماذا وماذا، كل تلك الأفكار التي تراود الأمهات عند مرور أطفالهم بموقف صعب، لم تكن ليلة سهلة لكن في آخر الأمر انتهت وتعلمت منها أنه سيبقى التوكل على الله هو الأساس ليطمئن قلبي ثم تعليمه ما هو الصواب والخطأ ليدرك نوعية تصرفاته، ثم المتابعة والتركيز على تحركاته قدر الإمكان..

في النهاية ليس لي إلا أن أحمد الله سبحانه وتعالى على كل النعم التي رزقني إياها، وأن يحمي لي عمر وليان ويجعلهم قرة عين لي ولزوجي، وأدعو الله أن يرزق جميع الأمهات التصرف الصواب لنربي جيلاً سوياً جاهزاً لبناء المستقبل..

معاً لحياة أمتع مع أطفالنا

وفاء غيبة

Previous Post الدرس الأهم..
0
Connecting
Please wait...
Send a message

Sorry, we aren't online at the moment. Leave a message.

Your name
* Email
* Describe your issue
Login now

Need more help? Save time by starting your support request online.

Your name
* Email
* Describe your issue
We're online!
Feedback

Help us help you better! Feel free to leave us any additional feedback.

How do you rate our support?